عندما نقول "فيروس حاسوبي" يخطر لنا شيء يحذف الملفات ويحتجز البيانات رهينة ويقفل الشاشة. لكن البرنامج الذي تسميه معظم المصادر "أول فيروس" لم يفعل شيئًا من ذلك. كل ما فعله أنه كتب على الشاشة تحديًا صغيرًا ثم انتقل إلى الحاسوب التالي.
كان اسمه Creeper، أي "الزاحف".
1971، وBBN، وARPANET
كتب بوب توماس برنامج Creeper عام 1971 بوصفه برنامجًا تجريبيًا في شركة BBN (Bolt Beranek and Newman) في ماساتشوستس. وكانت BBN شركة لعبت دورًا محوريًا في إنشاء ARPANET التي تُعدّ جدّ الإنترنت.
كان البرنامج يتنقل بين حواسيب DEC PDP-10 المتصلة بـ ARPANET والتي تشغّل نظام TENEX. وبحسب ويكيبيديا كان عدد الأنظمة التي تشغّل TENEX على ARPANET في ذلك الوقت 28، أي أن هذا هو أقصى ما كان يمكن لـ Creeper الوصول إليه من حواسيب.
وهمّ بوب توماس الحقيقي لم يكن الأذى، بل الإجابة عن سؤال: هل يمكن لبرنامج أن ينتقل من تلقاء نفسه من آلة إلى أخرى عبر الشبكة؟
جملة واحدة على الشاشة
عندما كان Creeper يصل إلى آلة، كان يطبع على الطابعة الطرفية (teletype) هذه الرسالة:
"I'M THE CREEPER : CATCH ME IF YOU CAN"
ومعناها بالعربية: "أنا الزاحف: أمسك بي إن استطعت." هذا كل شيء. لم يحذف ملفًا ولم يفسد بيانات. وتنقل ويكيبيديا أن المشغّلين تعاونوا في هذه التجربة ولم يُبلَّغ عن أي أثر غير مرغوب.
والنسخة الأولى لم تكن تنسخ نفسها أصلًا: بل كانت تنتقل من آلة إلى أخرى دون أن تترك نسخة خلفها. ثم عدّل راي توملينسون، المعروف لاحقًا بمخترع البريد الإلكتروني، البرنامج بحيث ينسخ نفسه إلى الآلات الأخرى. وتُعدّ هذه النسخة المتكاثرة أول دودة حاسوبية (worm) مقبولة عمومًا.
فيروس أم دودة؟
هنا تصحيح صغير لكنه مهم. من الناحية التقنية كان Creeper دودة لا فيروسًا. فالفيروس ينتشر بالالتصاق ببرنامج أو ملف آخر؛ أما الدودة فتتحرك على الشبكة من تلقاء نفسها. وCreeper من المجموعة الثانية. ومع ذلك تذكره منشورات كثيرة بوصفه "أول فيروس حاسوبي في العالم"؛ واقتباس من الغارديان تنقله ويكيبيديا يستخدم هذه العبارة بالضبط. هذه هي الصيغة الشائعة للمفهوم، لكن التسمية الصحيحة تقنيًا هي "أول دودة".
أما مصطلح "فيروس حاسوبي" نفسه فوُلد بعد Creeper بـ 12 عامًا. فبحسب مقال WeLiveSecurity من ESET كتب فريد كوهين، وكان طالبًا في جامعة جنوب كاليفورنيا، في 3 نوفمبر 1983 برنامجًا ينشر نفسه؛ وشبّه أستاذه لين أدلمان هذا الانتشار الشبيه بـ"العدوى" بالفيروسات في علم الأحياء واقترح المصطلح. وكان كوهين قد أعد البرنامج على VAX 11/750 يشغّل Unix بنحو ثماني ساعات من العمل.
Reaper: أول مضاد فيروسات
عندما صار هناك برنامج ينسخ نفسه على الشبكة، نشأت الحاجة إلى ما يوقفه. فكتب راي توملينسون عام 1972 برنامجًا اسمه Reaper ("الحصّاد"). وكان Reaper أيضًا يتنقل على ARPANET ويحذف Creeper أينما وجده. وتصفه ويكيبيديا بأنه أول برنامج مضاد للفيروسات.
وفي هذه القصة مفارقة جميلة: فأول مضاد فيروسات في العالم كان في الحقيقة برنامجًا يتجول في الشبكة بنفسه. أي أنه كُتبت "دودة" لاصطياد "دودة".
| حينها | الآن |
|---|---|
| 1971: 28 آلة TENEX على الأكثر | مليارات الأجهزة المتصلة |
| جملة مزاح واحدة على الشاشة | برمجيات الفدية وسرقة البيانات |
| Reaper: منظِّف بهدف واحد | برمجيات أمنية تُحدَّث باستمرار |
ظل طويل لتجربة بريئة
كان Creeper غير ضار لكنه فتح بابًا: فإن كان البرنامج يستطيع الانتشار على الشبكة بنفسه، فقد يستغل أحدهم هذه القدرة لأغراض سيئة. وهذا ما حدث بالضبط في العقود التالية، ودخلت كلمات "فيروس" و"دودة" و"مضاد فيروسات" لغتنا اليومية.
اليوم لو أطلق باحث أمني تجربة مماثلة على الإنترنت دون إذن، لوقع على الأرجح في مشكلة خطيرة. أما ARPANET في 1971 فكانت مجتمعًا صغيرًا من باحثين يعرفون بعضهم، وجرت التجربة، كما تنقل ويكيبيديا، بتعاون المشغّلين.
ومع ذلك فنقطة البداية لم تكن هجومًا بل فضولًا. سأل مهندس "هل يمكن فعل هذا؟" وأعطى الجواب على الشاشة بجملة واحدة.
برأيك، لو كُتب Creeper اليوم، هل يُعدّ تجربة غير ضارة أم اختراقًا أمنيًا؟