ذلك الصندوق العادي في المطبخ خرج في الحقيقة من مختبرات الرادار في الحرب العالمية الثانية. وفي بداية القصة حلوى ذابت في جيب مهندس. قلنا في الفيديو "شوكولاتة" لأن القصة تُروى هكذا في الغالب؛ لكن معظم المصادر تذكرها فقط "candy bar" (لوح حلوى، لوح بالشوكولاتة). ونوعها غير معروف على وجه اليقين.
خبير رادار لم يكمل المدرسة
وُلد بيرسي سبنسر عام 1894 في ولاية مين. وبحسب ويكيبيديا لم يُنهِ حتى المرحلة الابتدائية، ولم يتلقَّ تعليمًا في الهندسة الكهربائية؛ بل تعلم الرياضيات والفيزياء والكيمياء في معظمها بنفسه. وانضم إلى البحرية الأمريكية في الثامنة عشرة.
وفي 1939 تولى رئاسة قسم أنابيب القدرة في شركة Raytheon. ووجد طريقة أكثر كفاءة لإنتاج أنابيب المغنطرون التي هي قلب الرادارات، ورفع الإنتاج من 100 إلى 2,600 في اليوم. وبحسب ويكيبيديا كان له دور أيضًا في حصول Raytheon على عقد إنتاج معدات رادار حربية لمختبر الإشعاع في MIT. أي أنه حين ذاب اللوح في جيبه لم يكن في العالم من يعرف المغنطرون أفضل منه إلا قلة قليلة.
1945: اللوح الذي ذاب في الجيب
بحسب ما نقلته APS News لاحظ سبنسر وهو واقف بجانب جهاز رادار يعمل أن الحلوى في جيبه ذابت. كان كثيرون سيتجاوزون ذلك على أنه عطل أو مصادفة؛ أما سبنسر فاستغرب.
وأول طعام "طبخه" عن قصد كان الفشار: وضع حبات الذرة بجانب المغنطرون فبدأت تنفجر. ولم تنجح التجربة الثانية بالقدر نفسه. فقد وضع بيضة داخل إبريق؛ وانفجرت البيضة وتناثرت، بحسب APS، على زميل متشكك.
وقدمت Raytheon طلب براءة اختراع أمريكية لطريقة الطبخ بالميكروويف في 8 أكتوبر 1945.
Radarange: فرن بحجم الثلاجة
طُرح أول فرن ميكروويف تجاري باسم "Radarange". وتختلف المصادر هنا بفارق صغير: تقول APS News 1946 وتقول ويكيبيديا 1947. أما الأبعاد فكبيرة إلى درجة لا تُقارن باليوم:
- ارتفاع نحو 1.8 متر،
- وزن 340 كيلوغرامًا،
- استهلاك 3 كيلوواط (نحو ثلاثة أضعاف أفران اليوم بحسب ويكيبيديا)،
- بنية مبردة بالماء.
لم تكن هذه الأفران للبيوت بل للفنادق والمطاعم والسفن. وبحسب ويكيبيديا كانت النماذج الأولى تُؤجَّر بـ 5 دولارات في اليوم (150 دولارًا في الشهر). أما APS فتذكر السعر 5,000 دولار بمقاييس ذلك الوقت وتحسب أنه يتجاوز 50,000 دولار بنقود اليوم. وبحسب APS رُكّب أحد أولى أجهزة Radarange، بوزنه الذي يتجاوز 300 كيلوغرام، على سفينة اسمها Savannah. أي أن أولى الوجبات المسخنة بالميكروويف كانت تُسخَّن لا في مطبخ بل في عرض البحر.
| حينها | الآن |
|---|---|
| ارتفاع نحو 1.8 م | صندوق يتسع على طاولة المطبخ |
| 340 كغ | صندوق يستطيع شخص واحد حمله |
| مبرد بالماء | تبريد بمروحة |
| للتأجير للفنادق والمطاعم | في كل بيت تقريبًا |
ميكروويف ينزل إلى الطاولة
استغرق دخول الميكروويف البيوت أكثر من عشرين عامًا. فقد اشترت Raytheon شركة Amana عام 1965 وطرحت عام 1967 أول Radarange للطاولة بـ 495 دولارًا. وتحسب ويكيبيديا أن هذا السعر يعادل بدولارات 2025 نحو 5,000 دولار. أي ما زال أداة ترف، لكنه صار يتسع في مطبخ.
وملاحظة صغيرة: نقول في القصة دائمًا "ميكروويف" لكن اسم أول منتج تجاري لـ Raytheon يظهر بوضوح أصله الراداري. فكلمة "Radarange" تُقرأ كأنها مزيج من radar (رادار) وrange (موقد).
ولعل الدرس الحقيقي من قصة سبنسر هو هذا: كان مهندسون آخرون واقفين بجانب جهاز الرادار نفسه. والفرق أنه رأى اللوح الذائب في جيبه لا "مشكلة" بل "سؤالًا".
إرث مخترع لم يكمل المدرسة
توفي سبنسر في 8 سبتمبر 1970 في مدينة نيوتن بولاية ماساتشوستس عن 76 عامًا. ولم تكن له في حياته شهادة هندسة رسمية لكنه نال بحسب ويكيبيديا جائزة الخدمة العامة المتميزة من البحرية الأمريكية، وانتُخب عضوًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، ونال دكتوراه فخرية من جامعة ماساتشوستس، وأُدرج في قاعة مشاهير المخترعين.
والتقنية التي نستخدمها اليوم في المطبخ لتسخين شيء في ثلاثين ثانية هي في الحقيقة ناتج جانبي لأنبوب طُور لرادارات الحرب. ومن انتبه لذلك كان حرفيًا علّم نفسه بنفسه.
برأيك، أي مصادفة صغيرة نمر بجانبها اليوم دون أن ننتبه قد تتحول إلى جهاز منزلي عادي في المستقبل؟